recent
أخبار ساخنة

العبور بين عالمٍ موازٍ وواقعٍ نعيشه إلى جوهرِ الحقيقة


في مراجعِ تراثنا العربيِّ الإسلاميِّ التي حفظت لنا نوادرَ الأخبارِ وعجائبَ الآثار، نقفُ أمامَ قصةٍ استوقفت العلماءَ والمحققين طويلاً، واستوقفتني أنا أيضاً؛ فقد أخرجَ ابن أبي الدنيا في كتابه "الهواتف"، وأوردهُ البيهقيُّ في "السنن الكبرى"، وصححَ إسنادَهُ ابن حجرٍ في "التلخيص الحبير"، واقعةٌ لرجلٍ من الأنصارِ خرجَ لصلاةِ العشاءِ ليلةً من الليالي في عهدِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاختفى عن أهلهِ أربعاً من السنين. حين عادَ فجأةً، عادَ وفي عينيهِ دهشةُ المصدوم، وفي قصتهِ غرابةُ من لم يدرك مقدار غيبته الطويلة؛ فلقد وجدَ زوجتَه قد تزوجت غيره. ونحنُ هنا لسنا بصددِ مناقشةِ الأمرِ فقهياً أو الخوضِ في حكمِ عمرَ في هذه القضية، بل إنَّ ميداننا هو سبرُ أغوارِ الأبعادِ الغائبةِ التي تحملها هذه القصةُ بما تحملهُ من أبعادٍ فلسفيةٍ وتأملاتٍ وجودية. إنها لم تكن مجردَ قصةٍ عن تيهٍ مكاني، بل كانت فجوةً مكانيةً وزمنيةً ولدت لدينا نقصاً معرفياً في إدراكنا للأبعادِ الماديةِ المحسوسة، مما يفرضُ علينا إعادةَ قراءةِ مفهومِنا للواقعِ الماديِّ الذي نحيا فيه، وكيف أنَّ الوجودَ أوسعُ بكثيرٍ مما تستوعبُه حواسنا المحدودة.

إنَّ هذه الواقعةَ تُعدُّ مدخلاً فلسفياً لبحثِ إشكاليةِ "الزمانِ والمكان". فعندما يغيبُ الإنسانُ عن عالمِ أهلهِ سنواتٍ ليعيشَ في بُعدٍ آخر، ثم يعودُ وكأنَّ الزمنَ لم يمرَّ عليهِ بنفسِ المقدارِ المادي، فنحنُ هنا أمامَ "انشقاقٍ" في نسيجِ الواقع. هذا الذي سُلبَ من عالمهِ ولبثَ بعيداً زمناً طويلاً، لم يذهبْ إلى مكانٍ ناءٍ في خرائطِ الأرض، بل عبرَ إلى "ترددٍ" وجوديٍّ موازٍ، حيثُ تختلفُ معاييرُ الزمنِ والحضور.

إنَّ هذه القصةَ تفتحُ لنا باباً للنظرِ في طبيعةِ العالمِ الذي نظنهُ صلباً، لنكتشفَ أنه عالمٌ هشٌّ ومفتوحٌ على احتمالاتٍ تتجاوزُ منطقنا المعتاد. وفي هذا السياق، يمكننا استعارة مفاهيم "الزمكان" لا بوصفها حقائقَ فيزيائيةً جامدة، بل كمقاربةٍ فلسفية؛ حيثُ ندركُ أنَّ ما نسميهِ "واقعاً" ليس إلا نسيجاً متداخلاً يطوي الأبعادَ في آنٍ واحد. إنَّ ما حدثَ يمكنُ تأويلهُ كعبورٍ في إحداثياتٍ أخرى للوجود؛ فالعالمُ ليس قانوناً خطياً محكوماً بالثبات، بل هو فضاءٌ مليءٌ بالثغراتِ التي تُثبتُ أنَّ ما نراهُ من موقعنا المحدودِ "استحالةً" زمنية، قد يكونُ حقيقةً ماثلةً في طبقةٍ أخرى من طبقاتِ هذا الوجودِ المتعدد. وعلى هذا المنوالِ من التداخلِ، نجدُ أنفسنا أمامَ لحظةٍ وجوديةٍ فارقة؛ حينَ قال صاحبُ القصة: "فسبَتْني الجنُّ فلبثتُ فيهم زماناً، فغزاهم جنٌّ مسلمون فقاتَلوهم فظَهروا عليهم فسبَوا منه سبايا فسبَوْني فيما سبَوْا منهم"، فإنه لا يسردُ واقعةً، بل يصفُ انفصالاً من جذورِ الوجود.

تخيّل هذا الرجلَ وهو يقفُ بين خيارين: "المقام" في عالمٍ يملكُ سحرَ الأبعادِ الخفية، أو "القفول" إلى عالمٍ بشريٍّ تآكلت ملامحُه في ذاكرتهِ كحلمٍ بعيد. لقد كان لهُ في ذلك العالمِ الخفيِّ خيارٌ صريح، لكنه اختارَ هذا الارتدادَ للديار بقلبٍ يرتجفُ حنيناً، مُعلناً انحيازَهُ لـ ثَرى المدينة المنورة التي جُبلَ على حبها، ولبيوتِ أهلهِ التي تسكنُ ذاكرتَه، ولصوتِ الأذانِ الذي ظلَّ يترددُ في أذنهِ كبوابةِ عبورٍ استعصت على النسيانِ طوالَ سنواتِ غيابه.

ومع ذلك، لم تكن العودةُ إنهاءً للغربة، بل كانت بدايةً لنمطٍ جديدٍ منها. لقد ظلَّ ذلك الرجلُ يحملُ في روحهِ أصداءَ أبعادٍ لا يعرفُها البشر، فصارَ ينظرُ إلى عالمِهِ المألوفِ بعينِ الغريب. ورغم أنه عادَ جسداً، إلا أنَّ "الذاكرة" التي اتخذَها تميمةً في مهجرهِ اصطدمت بحقيقةِ أنَّ الزمنَ -في غيابه- لم يغفُ، بل استمرَّ في غيهِ يُعيدُ صياغةَ حياته دونَ استئذان. لقد أدرك حينها أنَّ رحلةَ الرجوعِ هي مواجهةٌ ضاريةٌ مع واقعٍ تبدلت ملامحه، ومع روحٍ لم تعد كما كانت؛ فلقد عاشَ تفاصيلَ وجوديةً لا يمكنُ ترجمتها للغةِ أهل الأرض، وصارَ يعيشُ بيننا كمن يرى خلفَ حجاب، محتفظاً بتلك التفاصيلِ التي جعلت منه -بعد غيبته- غريباً حتى في بيته.

إننا حين نقرأ هذه القصة، لا نطالع حدثاً تاريخياً معزولاً، بل نلمسُ كشفاً لحقيقةِ النفسِ البشرية؛ إذ لم تكن العودةُ اختياراً بين عالمين، بل كانت "فعل إرادةٍ" لاستردادِ الهوية بعد انقطاع. هنا يكمنُ البعدُ الوجوديُّ العميق؛ فنحنُ لا نعيشُ في هذا العالمِ لأننا مجبورون، بل لأنَّ الرجوعَ إلى ما نُحبُّ هو أسمى صورِ الانحيازِ للذات. لقد كانت عودةُ صاحبِ القصة انتزاعاً لحريتِه من سجنِ ذلك العالمِ الغريبِ الذي لا يربطُهُ به تاريخٌ أو شعور، ليؤوبَ إلى عالمِهِ الإنسانيِّ المألوف، حيثُ يستعيدُ أصلَ حكايته، ويستأنفُ وجوده الحقيقيّ.

وهنا تتجلى الحقيقةُ المُرّة: إنَّ واقعنا ليس إلا سجناً نختارهُ بأنفسنا؛ فنحن نعتادُ روتيننا، ونغرقُ في مخاوفنا، وننشغلُ باحتياجاتنا اليومية التي تستهلكُ أعمارنا، بينما لا نُبصرُ أننا نعيشُ في بُعدٍ يحجبُ عنا حقائقَ وجودنا. إنَّ ما نَقله التاريخُ عن هذا الرجلِ ليس مجردَ قصةٍ عابرة، بل هو صرخةٌ في وجهِ مَن يظنُّ أن العالمَ هو فقط ما تراهُ العين؛ هي دعوةٌ لتجاوزِ السطحِ والبحثِ عن الأبعادِ التي تعيشُ معنا وفينا.

ختاماً، لم تكن تلك العودةُ فصلاً أخيراً في حكايةٍ عابرة، بل كانت زلزالاً هزَّ أركانَ يقيننا. إنَّ مَن ذاقَ طعمَ الغيابِ في أبعادٍ لا زمنَ لها، لا يمكنهُ بعدَ العودةِ أن يمارسَ الحياةَ بالبراءةِ الساذجةِ ذاتِها؛ فقد صارَ يرى خلفَ ظلالِ المألوفِ حقائقَ تتوارى. نحنُ اليوم، بوعيٍ أو بدونِ وعيٍ، نقفُ في تيهٍ دائمٍ؛ نتقاذفُ بين إغراءِ البقاءِ في فراغِ اللامعنى، وبين قسوةِ "الرجوع" إلى سجنِ الواقعِ الخانق. السؤالُ الجوهريُّ ليس في إمكانيةِ العودة، بل في قدرتنا على كسرِ القيد. إنَّ لحظةَ التحررِ التي ننتزعُ بها وجودَنا من قبضةِ هذا السجنِ الماديّ، ليست ارتهاناً لفتاتِ المعنى العابر، بل هي "فعلُ انفصالٍ" شجاعٍ عن صخبِ الزمان؛ هي اللحظةُ التي نتحررُ فيها من أغلالِ الزمكان، لنعلنَ -بكلِّ جسارة- أننا لسنا ذراتٍ عالقةً في سديمِ الاحتمالات، بل نحنُ الإرادةُ التي اتخذت القفولَ النهائيَّ إلى جوهرِ الحقيقة.

                                                                                                                                                        
🛡️ درع حماية "هوامش وتأملات":"هذا المحتوى ملكية فكرية حصرية لصاحبها 'ظل المعنى'. مسجل ومحمي بموجب بروتوكول الحماية الرقمية لعام 2026. © جميع الحقوق محفوظة."
google-playkhamsatmostaqltradentX