لقد أنهكتنا الحياةُ، وضاق صدورنا بما
نراه من ظلمٍ بات كأنه طبعٌ فينا وجبلّةٌ لا تنفك. إننا نعيش في تكرارٍ أبديٍّ
لسابقةٍ قديمة؛ فمنذ أن عرفت الأرضُ أول معنىً للقهر، ونحن نسير في ذات الدرب؛
القويُّ يستحلُّ ما ليس له، والضعيفُ يذوي في صمته، وكأنَّ الوجودَ خُلق ليكون
ساحةً للغلبة لا للعدل، وميداناً لتصفية الحسابات القديمة التي لا تنتهي.
هذا الوجعُ ليس في الكتب، بل هو حقيقةٌ
معاشة في كلِّ تفصيلةٍ من يومنا؛ في نظراتِ التعالي، في سلبِ الحقوقِ ببرودٍ
وقسوةٍ إنسانية، وفي تلك الروحِ التي استمرأتِ القسوةَ حتى صارت جزءاً من تفاصيلها
اليومية.
نحن نرى الناسَ يتقاتلون على لقمةِ
العيشِ بأساليبَ لا تعرفُ المروءة، ونرى كيف تُسحقُ الكرامةُ تحت وطأةِ رغباتٍ
نهمة لا تشبع، وكأننا مقيدون بمسارٍ من الآلام التي تتناسلُ فلا
تنتهي.
لا شيءَ يتغيرُ في جوهرِ هذا العبث؛
فالبشرُ متمسكونَ بإرثِ القوةِ والسيطرةِ وكأنه قدرٌ لا فكاك منه، يكررونَ أدوارهم
في الظلمِ دون ملل، حتى أصبحت أرواحنا تتجرعُ المرارةَ وتعتادها، وصار الحزنُ
رفيقاً لا يفارق. ننظرُ إلى العالمِ اليوم، فلا نجد إلا صدىً لأوجاعِ من سبقونا،
وكأنَّ أقدامنا محبوسةٌ في ذاتِ المسارِ الذي خطّتهُ يدا القهرِ منذُ البدء، ولا
نرى في الأفقِ إلا امتداداً لهذا التكرار الموحش الذي يبتلعُ أحلامنا بصمتٍ مطبق.
إن هذه الدائرةَ المفرغةَ تستنزفُ ما تبقى من يقينٍ فينا، وتجعلُ الوجودَ كأنه
حكايةٌ كُتبت فصولها بالأسى، لنعجزَ عن تغييرِ مسارها، بل لنتساءلَ مع كل شروقٍ
جديد: أين نحنُ وسطَ هذا الركام؟ ولماذا يصرُّ البشرُ على اجترارِ الأخطاء ذاتها،
ضاربين عرضَ الحائطِ بكلِ دروسِ التاريخِ ومواعظِ الزمان، لنغدوَ جميعاً مجردَ
أرقامٍ تائهةٍ في مسيرةٍ لا تعرفُ للرحمةِ طريقاً، ولا تقيمُ للحقِ وزناً، ولا
تبالي بما يتركه الظلمُ فينا من شتات؟
ظل المعنى:
إننا أمام واقعٍ مأزوم، وليس قدراً محتوماً؛ فالظلمُ ليس سنّةً كونية، بل هو مسارٌ يختارهُ من أظلمت بصيرته، وهو عارٌ لا يلتصقُ إلا بمن باشرَهُ، بينما يظلُّ الإنسانُ الحرُّ بمنأى عن دنسه، مهما حاول الظالمون فرضَ واقعهم. وإذا كان الوجودُ بحد ذاته يعتريه نقصٌ لا يكتمل، فإن هذا النقص ليس مبرراً للظلم، بل هو اختبارٌ لإرادتنا في رفضه. وحين ندركُ فلسفياً أن هذه الدائرةَ المفرغةَ هي طبيعةُ هذا الوجود، فإننا نخطو الخطوةَ الأولى نحو التحرر؛ إذ لا نعودُ ضحايا مخدوعين، بل مراقبين واعين نرفضُ الانصهار في تروسِ القهر. وهنا يأتي دورُ الزاويةِ الأدبيةِ في حياتنا؛ حيثُ نمارسُ أعظمَ تمردٍ بإصرارنا على خلقِ الجمالِ وسط القبح، فنُجملُ واقعنا بأخلاقٍ سامية، ونرددُ في أنفسنا كلماتِ التعظيمِ لكرامتنا، لنؤكدَ أننا أكبرُ من مجردِ أرقامٍ في معادلةِ الظلم. هذا الجمالُ ليس ترفاً، بل هو فعلُ مقاومةٍ نغلفُ به أرواحنا لنحميها من التآكل. وفي قلبِ هذه المعركةِ الوجودية، تمنحنا الزاويةُ الدينيةُ والروحيةُ ملاذَ الصبرِ واليقين؛ فخدمةُ الغيرِ، والصدقةُ، والسموُّ بالروحِ عن دنايا المظالم، هي القواربُ التي تعبرُ بنا فوق بحرِ العبث. إننا بهذا المزيجِ الفلسفيِّ والأدبيِّ والروحيِّ، لا نغيرُ حقيقةَ العالمِ المليءِ بالتجاوزات، لكننا ننتصرُ لأنفسنا؛ فنحنُ لا نطلبُ النجاةَ من الظلمِ في الدنيا، بل نطلبُ النجاةَ بأنفسنا "من" الظلم، بأن نحتفظَ بنقائنا، وبأن نكونَ "واحاتِ عدلٍ" وجمالٍ وسطَ صحراءِ القهرِ التي لا تتوقف، وهذا هو الموقفُ الأسمى الذي يكسرُ حتميةَ الانكسار.
في هذه المرحلة، تخرج الفكرة من غياهب
التأمل لتصطدم بصلابة الواقع المعاش؛ إذ يتبدى لنا أن جوهر المعاناة ليس في المادة
وحدها، بل في ذلك النقص الأصيل الذي يعتري النفس البشرية والوجود ككل. ولكن، إنْ
كان هذا النقصُ جزءاً من تكويننا الأرضي، فإن الظلم ليس نتيجةً حتمية له، بل هو
استسلامٌ لهذا النقص. إن غياب العدالة المطلقة ليس قدراً مفروضاً، بل هو ثمرةٌ
لضعف الإدراك البشري وميل النفس إلى التجاوز حين تعجز عن تهذيب نوازعها. إننا في
هذه المشرحة ننزع الأقنعة عن جذوة الاستبداد؛ حيث ندرك أن سعي الناس وراء أهوائهم،
وضعف إدراكهم للحق، وإصرارهم على استبقاء أدوار القهر، هو امتداد لذلك النقص
الوجودي الذي يجعل موازين الأرض مائلةً دائماً ما لم نتدخل بوعينا لتقويمها. مآل
المعنى هنا هو الاعتراف المؤلم بأننا نعيش في دار نقصان، لا تستقيم فيها الموازين
إلا بجهد فردي واع، وأن الصراع الحقيقي ليس فقط مع الظروف الخارجية، بل مع ذلك
الميل الفطري إلى عدم التوازن الذي يسكننا ويسكن من حولنا، مما يجعل العدالة في
الدنيا غاية سامية نكافح لأجلها، رغم إدراكنا اليقيني بأن اكتمالها في هذه الأرض
محال.
صدى المعنى
بعد أن ألقينا النظر على حقيقة هذا المسار، لا يبقى أمامنا سوى التساؤل المفتوح؛ إذ لا نملك إجاباتٍ معلبةً تمنح الراحة لضمائرنا في عالمٍ يضطربُ بالظلم. إن السؤال هنا يغدو أقوى من كل يقين؛ فهل نحن، في سعينا الدؤوب خلف النجاة الفردية، نساهمُ في استدامة هذه الدوائر المفرغة؟ وأين تكمنُ تلك المساحةُ التي يمكنُ فيها للإنسانِ أن يمارسَ حريته دون أن ينصهرَ في قوالبِ الاستبداد؟ إن هذا الصدى الذي يترددُ الآن في وعي القارئ ليس إلا دعوةً للمواجهة؛ مواجهةٍ ذاتيةٍ جريئة لا تبحث عن مبررات، بل تنقبُ في ركامِ الحقائقِ لتجدَ خيطاً رفيعاً من الحقِّ وسط هذا الشتات، ليبقى كلُّ امرئٍ أمامَ مسؤوليتهِ الأخلاقيةِ الكبرى: كيفَ يمكنني أن أظلَّ إنساناً، حين يضغطُ الوجودُ بكلِّ ثقلهِ لانتزاعِ آدميتي؟
الاستزادة:
لتعضيد هذا الطرح، نجد في "مقدمة
ابن خلدون" تأصيلاً تاريخياً يربط بين شيوع الظلم وخراب العمران. وفي علم
النفس التطوري، تشير أبحاث ديفيد باس (David Buss) في كتابه "Evolutionary
Psychology: The New Science of the Mind"، وأبحاث ريتشارد دوكينز في كتابه "The
Selfish Gene"، إلى أن السلوكيات التي تؤدي للظلم هي
انعكاس لآليات بقاء قديمة، حيث يميل الإنسان بطبعه لتقديم مصلحته الفردية تأميناً
للموارد، مما يثبت أن استبقاء العدل هو فعلُ ترفعٍ واعٍ ضد نزعاتٍ غريزية. وفي
الفلسفة الأخلاقية، يؤكد الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (كتاب ذم
الغضب والحقد والحسد) أن الميل للظلم نابعٌ من "غلبة الهوى" التي تُغيب
بصيرة الإنسان. فكل هذه الشواهد تثبت أن الثبات على الحق ليس ترفاً، بل ضرورة
لبقاء الإنسان.