ثمة حالة من العوار الفكري تظهر أحياناً في البيئات الأكاديمية؛ تبدأ حين تُفرز ثقافة التخصص الدقيق غطاءً من الكبرياء غير المقصود. لا تكمن المشكلة في "التخصص" ذاته؛ فهو ضرورة علمية، لكنّ العوار الحقيقي يبرز حين تفرض هذه البيئات على المشتغلين بها اعتقاداً ضمنياً بأن امتلاك المعرفة في حقلٍ ما، يمنح تفويضاً مطلقاً للحديث في "كل شيء".
يُصاب البعض بداء "الشمولية الزائفة"؛ حيث يُنظر للشأن العام، وللثقافة، ولقضايا البشر، بعقلية المتعالي الذي يرى في تخصصه مرجعيةً وحيدة، لمجرد أنه يحمل درجة علمية. هذه "الأنا" المتضخمة لا تستمد قوتها من عمق المعرفة، بل من "سلطة التخصص" التي يُراد لها أن تكون أداة لإسكات الآخرين وتهميش تجاربهم الحياتية. ويشير علم النفس المعرفي، وتحديداً دراسات "التواضع الفكري" التي يقودها باحثون كأمثال Mark Leary، إلى أن هذا الاحتكار المعرفي هو نتاج نزعة دفاعية تنشأ في بيئات التخصص المغلق؛ إذ يقع الأكاديمي أحياناً فيما يُعرف بـ "نفق التخصص" (Tunnel Vision)، حيث لا يرى تعقيدات الواقع إلا من منظار أدواته الضيقة. وفي هذا السياق، تؤكد أبحاث "الظلم المعرفي" أن استخدام التخصص كأداة لاستبعاد بصائر الآخرين يُعدُّ خللاً في المنهج، فالعقل العلمي الحق -وفقاً لـ McNally- هو الذي يدرك محدودية أدواته أمام اتساع التجربة الإنسانية، بينما التضخم الأكاديمي ليس سوى غطاء معرفي للغرور الشخصي.
يعيش هؤلاء في أبراجهم العاجية، منفصلين
تماماً عن نبض المجتمع؛ يرون في الثقافة مجرد رصيد من الألقاب، وفي المعرفة صكوكاً
حصرية لا يُمنح صاحبها حق الكلام إلا إذا كان ينتمي إلى دوائرهم. إنهم لا يدركون
أن الثقافة حالة إنسانية أوسع، وأعظم بكثير من أن تُحصر في أطروحاتهم التي يُغلقون
عليها الأبواب.
إنَّ أخطر ما يمارسه هذا النمط من
الأكاديميين هو محاولة "خصخصة الحقيقة"؛ يتصرفون كما لو أنهم حُماة
العلم الوحيدون، متناسين أنَّ هناك تجارب معرفية وبصائر إنسانية لا تُدرّس في
جامعاتهم، ولا تُقاس بمعاييرهم. ليس من الضروري أن تكون دكتوراً لتكون صاحب بصيرة،
وليس من الضروري أن تعتلي منابرهم لتكون مثقفاً.
الحكمة الحقيقية تتواضع، أما هذا الغرور
فهو مجرد قناع يُخفي ضيق الأفق. إنهم يغرقون في تفاصيل تخصصاتهم، ثم يحاولون إسقاط
نفوذهم على كل مساحة فكرية، في حين أن الواقع أصدق من نظرياتهم، والحياة أكبر من
أن تُحتكر. فليظلوا في أبراجهم، فالتاريخ لا يحفظ الألقاب، بل يحفظ الفكر الذي يمس
جوهر الإنسان، لا الذي يتكبر عليه.
ظل المعنى
إنني أنظر إلى هذه المنظومة الأكاديمية
المستوردة، فلا أرى مجرد ممارسات إدارية، بل أرى شرنقةً تغلف صاحبها، وتفصلنا عن
دفء الحقيقة التي نلمسها في الميادين. لقد تغلغلت هذه الهيكلية في تفاصيل حياتي،
حتى صرتُ أرى انعكاساتها في نظرات الناس وتراكم الأوراق الممهورة التي صرنا نقدسها
على حساب بريق البصيرة الحية. إن ما يوجعني في هذا 'الخلل البنيوي' ليس فقط صممه
عن تجربة الشارع، بل إدراكي بأننا –بإرادتنا أو دونها– صرنا نقدس 'اللقب' وننسى
الإنسان. وعندما أضع هذه المشاهد على مرآة نفسي، أرى أننا أمام هيكليةٍ ليست مجرد معطلٍ
للطاقة، بل هي حاجزٌ يمنعنا من التلامس الإنساني الصادق؛ فالفجوة الطبقية التي
تخلقها هذه 'الامتيازات' لا تبدأ في مكاتب العمل، بل تبدأ في اللحظة التي نكف فيها
عن رؤية الآخر إلا من خلال عدسة اللقب، لنصبح جميعاً –أكاديميين وغير أكاديميين–
سجناءَ لفوقيةٍ وهميةٍ سرقت منا عفوية البصيرة وصدق التجربة.
مآل المعنى:
إذا كان ما نعيشه اليوم هو تجلٍّ لأعرافٍ
مستنسخة، فإن مآل هذه المنظومة يضعنا أمام مفترق طرقٍ فكري؛ فالتطبيق المتباين
لهذه النماذج لا يُنتج فقط تبايناتٍ طبقية، بل يطرح تساؤلاً حول مستقبل 'البيئة
المعرفية' ذاتها: هل تتجه هذه الصروح نحو الانغلاق على 'شرعية الشكل'، أم أنها لا
تزال تمتلك القدرة على الانفتاح نحو 'شرعية الكفاءة'؟ إن مآل هذه الممارسة لا
يتوقف عند حدود تهميش الفني أو الإداري، بل يمتد ليُسائل جدوى 'البحث العلمي' في
ظل هيمنة القوالب الجاهزة؛ فهل نحن بصدد صناعة معرفةٍ تخدم الإنسان، أم بصدد إعادة
إنتاج نفوذٍ يعيد تدوير الألقاب؟ إن تأمل هذا المآل يدعونا للتفكير في 'كينونة
العمل'؛ فالبحث عن نفع البشرية يتطلب استعادة الروح للممارس الميداني، وهو مآلٌ لن
يتحقق إلا إذا تحولت هذه البيئات من 'سوقٍ استهلاكية للترقيات' إلى 'فضاءٍ
للابتكار المشترك'، حيث لا يُقاس الأثر بالختم الإداري، بل بالقدرة على إحداث
تغييرٍ ملموسٍ في الواقع المعاش.
صدى المعنى:
بعد أن وضعنا هذه الأوهام على طاولة
التشريح، يبقى السؤالُ معلقاً في روع كل منا: إن كانت الشهادة العلمية في أصلها
المفترض 'إثباتاً للقدرة'، فكيف تحولت في نظامنا الأكاديمي إلى صكٍّ يمنح صاحبها
حق احتكار الحقيقة؟ أهي أمانةٌ تفرضُ التواضع أمام اتساع التجربة الإنسانية، أم
أنها باتت متراساً يحجب عنا بصر الحقيقة؟ إننا نقف اليوم أمام حيرةٍ وجودية: هل
ننتظر من هذه المجمعات الأكاديمية أن تُبصرنا، أم أننا بحاجةٍ إلى البحث عن
'معرفةٍ' لا تنحني لسطوة الألقاب، ولا تقتات على أوهامِ اقتصادٍ لا يُنتج إلا
السراب؟ وفي النهاية، أين يكمنُ الفرق بين من يحملُ 'العلم' ليرتقي بالناس، وبين
من يتخذُ منه 'برجاً' ليعتزلهم؟
الاستزادة:
إن ما نرصده في واقعنا ليس حالةً عارضة،
بل هو واقعٌ يحتاج إلى تشريح سطوة المؤسسات الأكاديمية والعلمية التي استولت على
'الحقيقة' وجعلتها أداةً للنفوذ، وهو ما ناقشه مفكرون كبار:
- ميشيل فوكو
(Michel Foucault): في أطروحته حول 'سلطة المعرفة'، بيّن كيف أن المؤسسات العلمية لا تنتج العلم لذاته، بل
تستخدمه كأداة سلطةٍ لفرض 'الحقيقة' التي تخدم استمراريتها، مما يهمش أي صوتٍ
خارج دوائرها الرسمية.
- بيير بورديو
(Pierre Bourdieu): في مفهومه عن 'رأس المال الثقافي'، يوضح كيف تحولت الشهادات والألقاب إلى 'عملة اجتماعية' تمنح
أصحابها حصانةً وامتيازات، ليس بناءً على كفاءتهم الميدانية، بل لمجرد
امتلاكهم للشرعية التي تمنحها هذه المؤسسات.