في اللحظاتِ التي يختلي فيها المرءُ بذاتهِ، بعيداً عن صخبِ الإنجازاتِ المتلاحقةِ وضجيجِ الأرقام، يباغتهُ سؤالٌ وجوديٌّ مُربك: لماذا يغشى التوهانُ عقولاً تملكُ ناصيةَ المبادئ؟ وتغوصُ في تأويلِ الحياةِ بما يتجاوزُ ظاهرَها؟ إنَّ هذا "التوهان" ليس نتيجةَ جهلٍ أو ضحالةِ تجربة، بل هو ضريبةُ "الوعيِ الزائد". إنَّ هذا التوهان الذي يغشى العقولَ المتوقدة، ليس عجزاً في الإرادة، بل هو في جوهرهِ "ثقلُ البصيرة". فأولئك الذين يملكون أدواتِ الفهمِ والتحليل، يقعون أحياناً في شركِ رؤيتهم الخاصة؛ إذ يرون تعقيدَ العالمِ وتشابكاتِه أكثرَ مما ينبغي، مما يجعلهم يترددون في المضيِّ عبر مساراتٍ يراها الآخرون بسيطة، ولكنها في نظرهم تفتقرُ إلى المعنى. هم لا يضلون الطريقَ لعدمِ وجودِ بوصلة، بل لأنَّ بوصلتَهم تُشيرُ إلى آفاقٍ أبعدَ مما يتيحهُ لهم هذا الواقعُ الماديُّ الضيق.
هذا التيهُ الوجوديُّ يتفاقمُ حين نصطدمُ بفخاخِ العمقِ نفسها؛
وأخطرها ما نسميه "التعميمُ القسريّ"؛ محاولة الغوص في الأعماق في كلِّ
ما يعترضُ طريقنا. والحقيقةُ التي يغفلُ عنها صاحبُ البصيرةِ هي أنَّ الحياةَ في
بعضِ جوانبها ليست بحاجةٍ إلى تشريحٍ فلسفيٍّ بقدرِ حاجتها إلى "مرونةِ
التجاوز". فالسطحيةُ، في مواضعَ معينة، ليست ضعفاً في الإدراك، بل هي حكمةٌ
في حمايةِ الطاقةِ من التبدد؛ فهناك مساراتٌ في هذا الوجود لا تُفتحُ بمفاتيحِ
التحليلِ المعقد، بل بجرأةِ المضيِّ فيها ببساطةٍ تتجاوزُ الأسئلة.
ولكن، لكي ننتقلَ من مرارةِ هذا التيهِ إلى محاولةِ فهمِ الأسبابِ
التي تُعطلُ فينا "الفعلَ" في العالمِ المادي، علينا أن نكشفَ الغطاءَ
عن العقبةِ الكبرى التي نتوهمُ أنها قانونٌ كوني:
هنا نصطدمُ بـ "وهم الخَطِّيَّة". هناك اعتقادٌ شائعٌ بأنَّ
النجاحَ الماديَّ هو "معادلةٌ رياضية": (جهد + زمن + صبر = نتيجة). هذا
المنطقُ يستقيمُ في الأطرِ الأكاديميةِ والوظيفيةِ التقليدية؛ حيثُ تبيعُ وقتكَ
مقابلَ أجرٍ معلوم. لكنَّ عالمَ "المالِ والقيمة" لا يعترفُ بهذه
الخَطِّيَّة؛ فالمالُ هنا ليس "جائزةً على صبرنا"، بل هو "مقابلٌ
لنفعٍ حقيقيٍّ تُقدمه للناس". الفجوةُ تكمنُ هنا: الكثيرون يُهدرون عقوداً في
"محاولة" الحصول على النتيجة (المال) وهم يظنون أنَّ صبرهم وتعبهم
وحدهما سيجلبانه، بينما كان المطلوبُ هو "تقديمُ القيمة"؛ أي جعلُ
مهاراتِك وعمقِ مبادئك حلّاً لمشكلةٍ يعاني منها الآخرون.
هذا الفشلُ في إدراكِ منطقِ القيمة يدفعنا غالباً إلى الهروب، ويتجلى
ذلك في الإغراقِ في تعددِ المهام؛ إذْ هو تشتيتٌ واعٍ للنفسِ لكي لا توضع
"الأصالةُ" في ميزانِ الاختبارِ أمامَ واقعِ السوق، فتنجو النفسُ من
مواجهةِ الحقيقةِ المرة: أنَّ المسارَ الذي اخترناهُ لم يكن مبنياً على حاجةٍ
حقيقيةٍ للسوق، بل كان هروباً من صدمةِ الحقيقةِ بأننا لم نعد نملكُ 'قيمةً' يبحثُ
عنها الناس.
إن المأزقَ الذي نعيشهُ ليس مجردَ تراكمٍ للأعمال، بل هو نتيجةٌ
لغيابِ 'الجوهر' في خضمِّ هذا الصخب. نحنُ نميلُ إلى تغذيةِ 'السطح' بالمزيدِ من
المجهود، لأنَّ مواجهةَ 'العمق' تتطلبُ شجاعةً لا يملكها إلا من تصالحَ مع ذاتهِ.
هذا الانشغالُ الدائمُ يعملُ كحاجزٍ يحمينا من رؤيةِ واقعنا الذي تآكلت فيه
'القيمة' التي كنا نظنُ أنها بضاعةٌ لا تبور. إنها دعوةٌ لنعترفَ أننا توقفنا عن
النمو، وأننا اكتفينا بتكرارِ أنماطِ الماضي لنداري بها عجزنا عن استيعابِ
متطلباتِ اللحظةِ الراهنة.
إننا هنا لا نتحدثُ عن فشلٍ شخصيٍّ يمكنُ تداركُه بجدولِ مهامٍ جديد،
بل عن أزمةِ اتصالٍ بين ذواتِنا وبينَ العالم. ولأنَّ المرارةَ التي تلي إدراكَ
هذه الحقيقةِ مرارةٌ غائرة، فإنَّ الخروجَ منها لا يكونُ بجرعاتِ تحفيزٍ عابرة، بل
بـ "عمليةٍ جراحيةٍ" في نمطِ التفكير تمنحنا الشجاعةَ لنبدأ من جديد:
إذا أردنا كسرَ هذه الحلقةِ المفرغة، نحتاجُ إلى التوقفِ عن استهلاكِ
الطاقةِ في مهامٍ لا تدرُّ عائداً مباشراً، والتركيزُ بدلاً من ذلك على استثمارِ
الخبراتِ المتراكمةِ عبرَ العقودِ في فهمِ طبائع البشر والإدارة، فهي منجمُ ذهبٍ
لم يُستثمر. إنَّ التحررَ من التوهانِ لا يأتي من نصائحِ العملِ المباشرة، بل من
استعادةِ "المعنى" الذي يبررُ التعب، ومن الجرأةِ على غلقِ أبوابِ
التشتت.
إنَّ التصالحَ مع الواقع لا يعني الانحناءَ لمنطقِ السائد، بل يعني أن نُعاملَ مبادئنا معاملةَ "العملةِ النادرة". وحين يدركُ صاحبُ المبدأ أنَّ إثباتَ وجودهِ في هذا العالمِ لا يحتاجُ إلى مطاردةِ أدواتٍ عابرة، بل إلى تصالحٍ شجاعٍ مع ما يملكهُ من خبرةٍ وعمق، وقدرةٍ على تحويلِ هذا العمقِ إلى قيمةٍ ملموسة؛ حينها يدركُ أنَّ التوهانَ لم يكن سوى مرحلةِ مخاضٍ ضرورية، انتقلَ بعدها من دورِ "المتفرجِ على العالم" إلى دورِ "المؤثرِ فيه". فالأصالةُ لا تكتملُ إلا حين تُثبتُ جدواها في صميمِ الحياة، وحين يُصبحُ مبدأُ الإنسانِ هو البوصلةُ التي توجهُ بوصلةَ نجاحه، لا عائقاً يحولُ بينه وبين العيش.