recent
أخبار ساخنة

في رحابِ السكينة: ترانيمُ النفسِ الأبيةِ وتوقُ الروحِ للخلود

في زحامِ الحياةِ وصخبِها المريب الذي لا يهدأ، حيثُ تضجُّ الحناجرُ بالتبريرِ وتتعالى الأصواتُ بالمعاتبة، اخترتُ طريقَ الصمتِ ملاذاً. أُغضُّ الطرفَ عن زلاتِ من أودُّ، وأكتمُ في صدري ما يؤلمني، لا ضعفاً ولا عجزاً عن الرد، بل رِفعةً في المقامِ وتكرُّماً عن الخوضِ في صغائرِ الأمور. قد يظنُّ من يرى ملامحي هادئةً أنني غافلٌ أو أصمُّ عن الخطأ، لكنني في حقيقةِ الأمرِ أرى وأسمعُ وأشعرُ بكلِّ شيء؛ فالحبُّ الحقيقيُّ في ميزاني لا يبحثُ عن العيوبِ بمجهرِ التدقيق، ولا يتوقفُ عند عثراتِ الطريقِ ليعيقَ المسير، بل يتجاوزُها برحابةِ صدرٍ ونفسٍ سامية.

إنَّ هذا الصمتَ حين يفيضُ عن حدِّه، يصبحُ أبلغَ تعبيرٍ عن محبةٍ ترفضُ الانكسار، وعن رغبةٍ عارمةٍ في الحفاظِ على نقاءِ القلبِ من كدرِ الألسنةِ التي لا تعي لغةَ الوفاء؛ فكم من كلمةٍ قيلت فأفسدت مودةً كانت قائمةً على الوداد، وكم من صمتٍ صُنِعَ بوعيٍ وحكمةٍ فأصلحَ ما تهدمَ من جسورِ الثقةِ بين النفوس.

هذا الصمتُ لم يكن عزلةً بقدرِ ما كان 'إخلاءً للمساحةِ' في روحي؛ لكي أستطيعَ تمييزَ الجمالِ وسطَ ركامِ هذا العالمِ المتعب. وحينَ أَخلَيْتُ فضاءَ روحي من ضجيجِ الأيامِ واستقرتْ في صمتِ الأصيلِ، لم يكنْ ذلكَ السكونُ سوى مسرحٍ يتأهبُ لاستقبالِ حضورِكِ القادمِ من شواهدِ الذاكرةِ البعيدةِ. وفي هذا الفضاءِ الذي أفرغتُه من الضجيج، يتجلى طيفُكِ كاستجابةٍ لنداءاتِ روحي؛ فأتأملكِ وأطيلُ النظرَ لثغركِ وحسنكِ الفتانِ في الأصيل، كتأملي أفولَ الشمسِ عند المغيب، حين تنكفئُ خجلةً ودوداً هادئة، مشربةً بحمرتها القانية كوجنتيكِ؛ ينهمرُ منها العسجدُ من شرايينِ خيوطٍ حريريةٍ من ياقوتٍ وزمردٍ ومرجان، سيالةً بالمسك. أنتِ الطيبُ ومنكِ الطيب، وتقتبسُ العتمةُ الحالكةُ داخلي نوراً من سناكِ يضيءُ دروبَ روحي، وكأنكِ في هذا السكونِ تمثلين النبعَ الذي أستمدُّ منه طاقةَ البقاءِ في عالمٍ يبدو أحياناً كأنه لا يبادلني الحبَّ ذاتَه؛ فأجدُ في تفاصيلِ حضوركِ تعويضاً عن كلِّ جفاءٍ واجهتُه، وعزاءً عن كلِّ لحظةٍ شعرتُ فيها بوحشةِ الغربةِ بين الناس، كأنَّ وجودكِ هو تلكَ النقطةُ المضيئةُ في خريطةِ حياتي التي ترشدني إلى معنى أن أكونَ إنساناً مُحباً في زمنِ القسوة.

ولأنني أحبُّ الحياةَ بكلِّ ألوانها المتناقضة، وأحبُّ أسبابَ الكفايةِ بما تمنحُهُ من طمأنينةٍ تحفظُ للنفسِ مِعراجَ كرامتِها، وأعشقُ السكينةَ بما توفره من راحةٍ للنفسِ المرهقة، فإنني أشعرُ بوخزةٍ خفيةٍ في قلبي حين أرى التباعدَ بين ما أمنحُ وما أتلقى. أبحثُ عن السعادةِ في تجاربِ الحياةِ وتفاصيلِها، لكنها كثيراً ما تتركُ لي مرارةَ الخيبةِ في جوف الروح، وأسعى جاهداً لتحقيقِ الاستقرارِ الذي يمنحُني الطمأنينة، لكنه يظلُّ بعيدَ المنال كسرابٍ يراوغُ في صحراءَ قاحلة، ومع ذلك، فإنَّ وهجَ حضوركِ في حياتي، هو ما يمنحُني الشجاعةَ لأواجهَ ندوبَ الذاكرةِ التي لا تندمل؛ فقدتُ أحبةً كانوا كالأجنحةِ لروحي، وتجرعتُ كأسَ الألمِ في ليالٍ حالكة. لكنَّ كلَّ محطةٍ وقفتُ بها علمتني أنَّ القوةَ الحقيقيةَ لا تكمنُ في تجنُّبِ الألم، بل في القدرةِ على النهوضِ بعد كلِّ عثرةٍ بروحٍ لا تنكسر، وقلبٍ يرفضُ الاستسلامَ لليأس.

أجدُ نفسي اليومَ، بعد كلِّ ما عبرتُ من ليالٍ، أمامَ مرآةِ الذات، لا أملكُ إلا أن أحتضنَ تلكَ الندوبَ التي حفرتْها السنونُ في روحي؛ فهي ليست مجردَ أثر، بل هي الخريطةُ التي قادتني إلى حيثُ أنا الآن. لم تكن الحياةُ في عيني مسيرةَ دروسٍ عابرة، بل كانت نبضاً متلاحقاً من خيباتٍ وأفراحٍ تتداخلُ في وعائي، ووجعاً يخصني وحدي، تذوقتُ مرارتَه حتى صارَ جزءاً من تكويني، ومنه –لا من غيره– تعلمتُ كيف أتصالحُ مع السكينةِ بعد هبوبِ العواصف. أقفُ اليومَ على عتبةِ فصلٍ من عمري، أتحسسُ جعبتي المثقلةَ بحكاياتٍ لا يعرفُ سرَّها إلا قلبي، وذكرياتٍ محفورةٍ في أعماقِ هذا الكيان؛ ذكرياتٍ لا أريدُ لها أن ترحل، فهي كلُّ ما تبقى من حُبٍّ غرستُه في تربةِ الأيامِ بيدي، وأنا كلي ثقةٌ بأنَّ ثماره ستورقُ يوماً ما، وإنْ تلونتْ بغيرِ لوني. سأظلُّ أتنفسُ الحياةَ بكلِّ ما في جوفي من إصرارٍ عنيد، موقناً بأنَّ ما تخبئه لي الأيامُ في طياتِ غدي –مهما قست– هو امتدادٌ لذلك الشوقِ الذي لا يغادرني، وذلك الحلمِ الذي لم يزلْ يطرقُ أبوابَ روحي، مستسلماً فقط لفيضِ الأقدارِ التي تطمئنُّ إليها روحي، بعد طولِ مسير. سأخطو نحو آفاقِ المستقبلِ وأنا أحتضنُ الأملَ كزادٍ، باحثاً عن أرواحٍ نقيّةٍ تشاركني أحلامي، مؤمناً بأنَّ الطريقَ مهما تعرجَ وتوعّر، يظلُّ جميلاً طالما أننا نمضي فيه بسلام؛ نُقلِّبُ صفحاتِ العمرِ بروحٍ صافيةٍ لا تعرفُ الضغينة، وقلبٍ يطمئنُّ إلى أقدارِ الله، متسلحاً بصبرٍ جميلٍ يعلو فوق سحبِ الزمان، يترقبُ بزوغَ فجرٍ جديدٍ يعيدُ للنفسِ توازنَها وللحياةِ معناها. إنَّ غدنا القادم ليس مجردَ وعد، بل هو حصادٌ لما أودعناه في أرواحنا من صدقٍ ومودة، وسأبقى، ما حييتُ، أميناً لهذا النورِ الذي في داخلي، باحثاً عن الفرحِ في أبسطِ الأشياء، وعن الحقيقةِ في أنقى صورِها، مُوقناً بأنَّ الرحلةَ تستحقُّ العناء، وأنَّ الوصولَ -وإن تأخر- سيظلُّ غايتي النبيلة. فالغايةُ في عرفي لم تعدْ مجردَ غرضٍ نبلغه، بل هي في تعلُّمِنا كيف نعتني بما تبقّى لنا من دفءٍ في أرواحنا، لنمضي؛ تلكَ هي هوامشي في رحابِ السكينة، أضعُها بين أيديكم، علَّها تجدُ في أرواحكم صدىً لِما حاولتُ بوحه.

                                                                                                                                                                   
🛡️ درع حماية "هوامش وتأملات":"هذا المحتوى ملكية فكرية حصرية لصاحبها 'ظل المعنى'. مسجل ومحمي بموجب بروتوكول الحماية الرقمية لعام 2026. © جميع الحقوق محفوظة."
google-playkhamsatmostaqltradentX